ابن قيم الجوزية
688
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
عطش المريد قال « العطش : كناية عن غلبة ولوع بمأمول » . « الولوع » بالشيء : هو التعلق به بصفة المحبة ، مع أمل الوصول إليه . وقيل في حد « الولوع » إنه كثرة ترداد القلب إلى الشيء المحبوب . كما يقال : فلان مولع بكذا ، وقد أولع به . وقيل : هو لزوم القلب للشيء . فكأنه مثل : أغري به ، فهو مغرى . درجات العطش قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : عطش المريد إلى شاهد يرويه . أو إشارة تشفيه . أو عطفة تؤويه » . ولما كان المريد من أهل طلب الشواهد على الاعتبار ، ومثير العزمات ، وتعلق العباد بالأعمال . قوله « شاهد يرويه » يحتمل : أنه من الرواية . أي يرويه عمن أقامه له . فيكون ذلك إشارة إلى شواهد العلم . فهو شديد العطش إلى شواهد يرويها عن الصادقين من أهل السلوك ، يزداد بها تثبيتا وقوة بصيرة . فإن المريد إذا تجددت له حالة ، أو حصل له وارد : استوحش من تفرده بها . فإذا قام عنده بمثلها شاهد حال لمريد آخر صادق ، قد سبقه إليها : استأنس بها أعظم استئناس . واستدل بشاهد ذلك المريد على صحة شاهده . فلذلك يشتد عطشه إلى شاهد يرويه عن الصادقين . ويحتمل : أنه من الرّيّ - فيكون مضموم الياء - يعني : إذا حصل له الري بذلك الشاهد . ونزل على قلبه منزلة الماء البارد من الظمآن . فقرر عنده صحته ، وأنه شاهد حق . ويرجح هذا : ذكر الري مع العطش . ويرجح الأول : ذكره لفظة « الري » في قوله « أو عطفة ترويه » « 1 » والأمر قريب . قوله « أو إشارة تشفيه » أي تشفي قلبه من علة عارضة . فإذا وردت عليه الإشارة - إما من صادق مثله ، أو من عالم ، أو من شيخ مسلك ، أو من آية فهمها ، أو عبرة ظفر بها - : اشتفى بها قلبه . وهذا معلوم عند من له ذوق . قوله « أو إلى عطفة ترويه » أي عطفة من جانب محبوبه عليه ، تروي لهيب عطشه وتبرده . ولا شيء أروى لقلب المحب من عطف محبوبه عليه . ولا شيء أشد للهيبه وحريقه من إعراض محبوبه عنه . ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم : أشد عليهم مما هم فيه من العذاب الجسماني . كما أن نعيم أهل الجنة - برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله - أعظم من نعيمهم الجسماني . قال « الدرجة الثانية : عطش السالك إلى أجل يطويه . ويوم يريه ما يغنيه . ومنزل يستريح فيه »
--> ( 1 ) في المتن « تؤويه » وهي أصح . لأنها أنسب بالعطف .